الاندماج مرفوض والانغلاق ممنوع !!

أبناء الجاليات المسلمة في أوروبا:الاندماج مرفوض والانغلاق ممنوع !!

برغم حرص أولياء الأمور المسلمين على تعليم أبنائهم والحفاظ على هويتهم الإسلامية في المجتمعات الغربية، إلا أن هناك تحديات كبرى تواجههم في سبيل تحقيق تلك الغاية.  

من أبرز تلك التحديات النفور لدى الأطفال بخصوص الإقبال على اللغة العربية وذلك لأسباب عدة منها:أولاً: هذه اللغة بالنسبة إليهم ثانوية، لا يحتاجون إليها في حياتهم اليومية وهم يعيشون في المجتمعات الأوروبية، ويتحدثون لغتهم في الشارع وفي المدرسة وفي مختلف المؤسسات، ولا يستعملون اللغة العربية إلا في إطار عائلي ضيق، وهنا يكمن التحدي، ذلك أن تعلم اللغة العربية أساسي في نظر الوالدين باعتبارها وسيلة للحفاظ على الهوية العربية الإسلامية ولغة القرآن الكريم والوحي، ومدخلاً أساسيًا لفهم الحضارات والأمم، ولكنها ليست أساسية في نظر الأبناء لأنهم لا يعرفون قيمة هذا الأمر، خصوصًا إذا كانوا صغارًا. حتى إن حاولت إقناع طفلك بقيمة اللغة العربية وأهميتها، فلن تجد لديه الاهتمام والتفاعل، فكيف بالاقتناع التام بهذا الأمر؟ ربما يقتنع بذلك في سن الشباب، ويشعر بأهمية اللغة العربية، وقد يصل به الأمر إلى الندم على عدم تعلمها في صغره، وربما يتوجه باللوم لوالديه، وتحميلهما مسؤولية تقصيره.وربما أيضًا تجد لدى الطفل القابلية للتحدث بلهجة البلد الذي ينتمي إليه والداه، أكثر من استعداده للحديث باللغة العربية الفصحى. وقد جرب بعض أولياء الأمور الاقتصار على استعمال العربية الفصحى في مخاطبة أبنائهم، ولكنها تبقى تجارب محدودة تتطلب جهودًا كبرى لأنها تواجه تحديات جمة من المحيط بما في ذلك دائرة الأصدقاء، حيث يغلب الحديث باللغة الأوروبية أو اللهجة القطرية أو المحلية.ثانيًا: تعلم اللغة العربية يأتي غالبًا في وقت راحة الطفل ووقت فراغه، حيث يتوجه الطفل المسلم إلى دراسة اللغة العربية بعد الانتهاء من دراسته في نهاية الأسبوع، وبعد أن يكون أصيب بالإرهاق نتيجة إعداد دروسه في المدرسة الرسمية، في الوقت الذي يستغل أقرانه فترات الراحة في القيام بعدة أنشطة ترفيهية وتثقيفية مثل ممارسة رياضة معينة أو المطالعة في المكتبات المنتشرة في كل حي أو التجول للاطلاع على معالم تاريخية ومعارض علمية أو تعلم الإنترنت وغيرها من الأنشطة التي تجدد وتنمي طاقاته الفكرية والبدنية، ولا ننسى أن الأقران يتبادلون الحديث عن أوقات فراغهم وعن هذه الأنشطة، فيشعر الطفل المسلم بالروتين والملل مقارنة بأصدقائه غير المسلمين.ثالثًا: المدارس العربية التي يتوجه إليها أبناء المسلمين في أوروبا. تتفاوت من حيث مستوى المنهج المعتمد في تعليم اللغة العربية. والطابع العام السائد هو الضعف بسبب اعتماد مدرسين غير متخصصين في الغالب، إلى جانب الضعف من حيث النظام والنظافة والذوق والسلوك غير المستقيم لدى بعض الأطفال الذين ينقصهم التوجيه التربوي.ومن المفيد في هذا الإطار قيام المدرسة العربية بحملات توعية في أوساط أولياء الأمور الذين يغلب عليهم طابع الأمية، والذين لا يخول لهم مستواهم الثقافي فهم الإشكالات والتحديات المطروحة في الواقع. ويكون ذلك عبر تنظيم دورات تأهيلية لأولياء الأمور الذين تنقصهم القدرة على التوجيه، يقوم بها المشرفون على المدارس. وهنا يأتي دور النخبة المثقفة ـ خصوصًا ذوي الاختصاصات في علوم التربية وعلم النفس ـ في مساعدة أولياء الأمور عن طريق دورات تثقيفية وتوجيهية وتأهيلية، بالإضافة إلى ضرورة توفير مرشد اجتماعي أو مرشدة اجتماعية في المدرسة العربية لمساعدة أولياء الأمور الذين يجدون صعوبات في تربية أبنائهم وبناتهم. فبحكم الفارق في المستوى الثقافي، قد يحدث صراع بين الطرفين لعدم إمكانية التفاهم. وقد يتطور الصراع إلى طرد الابن أو هروب البنت من المنزل. فالمطلوب إيجاد حلول عملية ومساعدتهم على الخروج من هذا الواقع المرضي.ومن خلال ما تقدم، يعتبر الطفل المسلم المقيم في الغرب معذورًا إذا أبدى نفورًا من تعلم اللغة العربية، لأن هذه اللغة لا يحتاج إليها، وتكون على حساب راحته، ويتعلمها في إطار يختلف عن المدرسة الرسمية، خصوصًا في وجود مغريات تجذب الطفل أو الشاب إلى المدرسة الحكومية. ويجدر في هذا الصدد التوقف عند التحديات المتعلقة بارتياد أبناء المسلمين المدارس الرسمية في البلاد الأوروبية. تحديات التعليم في المدارس الحكوميةهناك إشكالات وتحديات عديدة منها: مع تعلم اللغة، هناك تأثر بالقيم الغربية ذات الطابع المسيحي. فالإنسان معقد التركيبة، والطفل في المدارس الأوروبية لن يتعلم اللغة وحدها مجردة من كل ما تحمله من معان، ذلك أن اللغة تحمل في طياتها الثقافة والقيم والتاريخ والأخلاق. فله أصدقاء من كل الجنسيات بما في ذلك الأوروبيون الذين لهم عقلياتهم المتمثلة في أسلوب الحديث، والسلوك، والتصورات، ونمط التفكير، والعيش، والقيم، والأخلاق. الاختلاط الذي ليس له حد ولا فصل، خصوصًا في الأنشطة الرياضية. على سبيل المثال فإن السباحة التي تدخل ضمن البرنامج الدراسي في المدارس الرسمية تكون مختلطة وهذا يحرجني كأم، حتى وإن ما زالت ابنتي صغيرة، حيث وصل الأمر في بعض الحالات أن حجرة الملابس التابعة للمسبح كانت مشتركة بين الذكور والإناث، وهذا تحد كبير وضرب لقيمنا ومبادئنا وهويتنا وديننا الذي يأمر بالتفريق بين الأخ وأخته في المضاجع منذ صغر سنهما. فنحن نعلم أبناءنا العفة والحياء والآداب الإسلامية، وفي المقابل نجد التفسخ والميوعة خارج البيت وفي المدرسة. والوالدان مهمتهما القيام بعملية إعادة تثقيف مستمرة وانتباه شديد لآثار هذه التربية.وترتبط بذلك مسألة الرقص المختلط التي تعتبر ظاهرة منتشرة، بل إنها تدخل ضمن البرنامج الدراسي الخاص بتعليم الأطفال فن الرقص، ويتم تطبيق ذلك في مناسبات يتم إحياؤها في المدرسة مثل أعياد الميلاد (الكريسماس) ونهاية السنة الميلادية. كما يمكن إدراج عادة «الكرنفال» في هذا الإطار، حيث يتم التنكر في ملابس ووضع أصباغ على الوجه. فهل هي مجرد وسيلة للترفيه، أم هي وسيلة لملأ الفراغ عن طريق التهريج؟ في تصوري هذه العادة لها خلفيات أبعد من الأهداف المذكورة فهي نوع من كسر للقيم وللحواجز، والخروج عما هو عادي والنمط السليم والمستقيم وفرصة للتنفيس وإطلاق المكبوتات. فباسم الحرية تفعل ما تريد ويمكنك أن تتمرد في اللباس وفي الحركات. والأدهى أن المعلمين والمدير ـ وهم القدوة ـ يكونون هم أيضًا متنكرين ويشجعون الأطفال على ذلك. فإذا كان هذا الأمر يتماشى مع تصوراتهم وتفكيرهم وقيمهم المسيحية، فإنه في رأيي لا يتماشى مع قيمنا الإسلامية. المدرسة هي إحدى مؤسسات المجتمع وصورة له، والمجتمع الأوروبي لا يقبل الآخر بسهولة، خصوصًا إذا كان مسلمًا مطبقًا لدينه، في ظل أجواء التخويف من الإسلام الذي تعمل جهات عديدة إعلامية وأكاديمية وسياسية على تشويه صورته وصورة المنتسبين إليه، وتكفي الإشارة إلى موضوع الحجاب، الذي تحصل باستمرار ضجات حوله. وبالتالي، كثيرًا ما تكون عادات المسلمين وشعائرهم التعبدية محل استهزاء داخل المدرسة الرسمية نفسها، سواء من أقران الدراسة أو من المدرسين، خصوصًا إذا كان هؤلاء متأثرين بطروحات أقصى اليمين. فمثلاً لا يجد التلميذ المسلم تفهمًا كاملاً من محيطه الدراسي بل يتم إشعاره بالنقص وبالإقصاء إذا رفض تناول اللحم غير المذبوح في المطاعم المدرسية في الحالات التي تصعب فيها العودة لتناول الغداء في البيت. قد يتفهمون عدم أكل لحم الخنزير لأن اليهود لا يأكلونه، ولكن يحاولون إقناعه بأكل ما تبقى من أنواع اللحوم بدل تعويض ذلك بأشياء أخرى يتفق فيها مع أولياء الأمور كما يحصل في كندا مثلاً.من ناحية أخرى، فإن الأطفال يميلون إلى التحدث عن أعيادهم ومناسباتهم السعيدة، وهو أمر طبيعي، فعندما يتحدث الطفل المسلم عن عيد الأضحى على سبيل المثال، يسخرون منه لأن ذبح الأضحية ممقوت وفيه تعذيب للحيوانات في نظرهم، حتى وإن حاول التلميذ المسلم إقناع أقرانه وربما مدرسيه أيضًا بأن الإسلام يحترم الحيوان، وأن الذبح يشترط فيه إراحة الذبيحة. وكذلك إذا وضعت البنت المسلمة الحناء وذهبت بها إلى المدرسة يسخرون منها، فتتولد بمثل هذه المواقف عقدة الشعور بالنقص لدى الطفل المسلم. هذه السلبيات في التعليم في المدارس الأوروبية الحكومية لا تعني أنه ليس هناك إيجابيات مثل احترام شخصية الطفل، والتركيز على الفكر الديكارتي القائم على المنطق وربط الأشياء بمسبباتها، وتعود التعددية الثقافية، وغيرها من الإيجابيات التي ما زالت تنقص المدارس الإسلامية.ولكن المقلق أننا كأولياء أمور لا نستطيع أن نتحكم في تربية أبنائنا في الواقع الأوروبي الغربي، ليس لضعف فينا وعدم قدرة، وإنما بسبب ضغوط الواقع المسلطة علينا، وما دام أبناؤنا يحتكون بهذا الواقع ويتأثرون به، فيحصل لهم دخن في هويتهم ولغتهم وعقليتهم وتفكيرهم وقيمهم، ويصبحون مذبذبين من حيث تاريخهم الإسلامي وحضارتهم ودينهم. وفي الحقيقة، هذا الأمر مصدر معاناة للأبناء الذين يعانون انفصام الهوية والشعور بأنهم ينتمون إلى أقلية غير مقبولة، ومصدر قلق لأولياء الأمور حيث نشعر بالمرارة في قرارة أنفسنا، لأننا نغرس فيهم معاني العزة بالإسلام، دين نظافة الظاهر والباطن ودين العلم، وفي الوقت نفسه نحرص على نجاحهم وتفوقهم وذلك بمساعدتهم على فهم دروسهم التي تلقن أبناءنا التاريخ واللغة والحضارة الأوروبية المسيحية، ونحن مضطرون إلى أن نشرح لهم ذلك ونؤكد لهم تعلم كل هذه المواد لضمان نجاحهم، فيتشبع الأطفال بالثقافة الأوروبية بحذافيرها، وهذا ما لا يمكن تحقيقه بالمستوى نفسه باللغة العربية والدين الإسلامي بحضارته وتاريخه، وهي أشياء عزيزة على كل مسلم، وإن كان لا يصلي ولا يطبق دينه، فهو يرغب في أن يتحدث أبناؤه العربية ولا يأكلون لحم الخنزير ويعرفون دينهم، ولكن بحكم العوامل المذكورة تبقى معرفة الأطفال والأجيال الصاعدة من أبناء المسلمين في أوروبا محدودة على مستوى اللغة العربية والدين الإسلامي، ولا تتحول هذه المعرفة إلى زخم فكري وثقافي عميق، لأنهم لم يتشربوها منذ صغرهم ولم ترافقهم في نشأتهم، وهنا مكمن الداء ومنبع الخطر.ورغم التحديات، يظل الإنسان المؤمن واثقًا بالله سبحانه، وبإيمانه يجعل من هذه التحديات مصدر قوة وثبات على المنهج الرباني في تربية أبنائه وتعليمهم. والسؤال المطروح: هل سيأتي اليوم الذي يتحقق فيه ذلك الحلم الذي طال انتظاره، والمتمثل في إنشاء مدارس إسلامية منتظمة كامل الأسبوع تستوعب كل أبناء المسلمين وتقوم عليها كفاءات إسلامية، ومعترف بها رسميًا، حتى نضع حدًا أو على الأقل نقلل من ثقل التحديات؟

بقلم : فائزة محمد ولها ـ فرنسا

المصدر : مجلة المعرفة

Advertisements