سياسة اللجوء الأوروبية.. سياسة الجزرة والعصا

أدى اندلاع الثورات العربية والأزمة الاقتصادية إلى ارتفاع أعداد اللاجئين إلى أوروبا. ومع عجز اليونان عن التعامل مع مشكلة اللاجئين، الذين تتفاقم أوضاعهم الإنسانية يوماً بعد يوم، يدور النقاش حول كيفية حل أسباب اللجوء.

اللجوء.

لا تزال الصورالمأساوية لمخيم للاجئين على الحدود اليونانية التركية مطبوعة في ذهن روديغر فيت، النائب في البرلمان الألماني عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الذي قام بزيارة إلى مخيم فيلالكو مع مجموعة برلمانية مؤخراً. وقد لا يستغرب البعض من تسمية المخيم بجوانتانامو اليونان، حين يستمع إلى وصف روديغر فيت للمكان، والذي وصف الاوضاع الإنسانية فيه هناك بأنها كارثية: ” يتم تكديس ما يقرب من أربعين شخصاً في الغرفة الواحدة، وذلك في ظل ظروف صحية غير مقبولة على الإطلاق، وأحيانا من دون تدفئة أو مياه ساخنة، اللاجئون يقضون أحياناً ستة أشهر في ظل هذه الظروف”.
مخيم فيلالكو بأوضاعه الإنسانية المأساوية هو بالنسبة للكثير من اللاجئين من أفغانستان والعراق والصومال بوابة الدخول إلى أوروبا. وتقول المنظمة الحقوقية هيومن رايتس ووتش أن الشريط الحدودي بين اليونان ودول الإتحاد الأوربي أصبح بالنسبة للكثير من اللاجئين المدخل الرئيسي إلى أوروبا. وتشير الأرقام إلى أن حوالي نصف مليون من المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين يتجهون إلى أوروبا كل عام. وبينما يحاول 90 % منهم الدخول إلى أوروبا عن طريق الأراضي التركية اليونانية، يخاطر 10 % بحياتهم وحيت يستقلون مراكب الموت في البحر المتوسط. هذا وقد انعكست الثورات العربية في تونس ومصر وأحداث الاحتجاجات في كل من سوريا وليببا على زيادة أعداد اللاجئين القادمين عن طريق البحر إلى أوروبا في الآونة الأخيرة.

هل أوروبا هي المسئولة عن مأساة اللاجئين في اليونان؟

ويقول مراي بلتسر، الخبير القانوني في منظمة (برو ازويل (ProAsyl لإغاثة اللاجئين، أن تكليف اليونان بما ليس في وسعها ومطالبتها بتهيئة مخيمات جيدة هو بمثابة اختبار، يظهر حقيقة سياسية اللجوء في أوروبا. ويضيف بلتسر: ” لا يمكننا إلقاء المسئولية كلها على عاتق الدول الحدودية”، ويرى أن هناك حاجة إلى تضامن دول الاتحاد الأوروبي مع السلطات اليونانية والمالطية، التي أصبحت عاجزة عن مواجهة هذه التحديات وحدها.

ويؤكد بلتسر أن إعادة صياغة اتفاقية دبلن الثانية هي المخرج الوحيد من هذه الأزمة: إذ ” فرض الإتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية دبلن على أولى الدول المستقبلة للاجئين مسئولية اتخاذ إجراءات اللجوء. وهذا يعني أن اللاجئين، الذين يدخلون ألمانيا عن طريق مالطا أو اليونان، يتم إعادتهم إلى هناك مرة أخرى، حيث يعيش اللاجئون في أوضاع إنسانية مأساوية”. ومن هذا المنطلق تطالب منظمات إغاثة اللاجئين بفرض نظام الحصصة، والذي يتم بموجبه توزيع اللاجئين على دول الاتحاد الأوروبي.

ويرى بلتسر أن سياسية تحصين أوروبا عن طريق تقديم المزيد من الدعم لوكالة حماية الحدود الأوروبية “فرونتيكس” تشكل خطوات خاطئة في الاتجاه الخاطئ. وكان البرلمان الأوروبي قد أعلن اليوم (28 ايلول/ سبتمبر) عن تزويده وكالة حماية الحدود الأوروبية “فرونتيكس” بمبلغ 24 مليون يورو إضافية من أجل التعامل مع تزايد أعداد المهاجرين في أعقاب ثورات “الربيع العربي” في جنوب البحر المتوسط. كما أعلن الإتحاد الأوربي عن اتخاذ إجراءات إصلاحية من أجل توحيد سياسة اللجوء بحلول نهاية 2011. وتتضمن االمقترحات الإصلاحية السماح للاجئين بدخول سوق العمل بصورة أسرع و تعد بتوفير معايير موحدة في مخيمات اللاجئين وبمزيد من الحقوق للاجئين. لكن هذه الاقتراحات تلقى معارضة من جانب بريطانيا وألمانيا.

الحل الجذري!

ومع احتدام النقاش في أوروبا حول كيفية التعامل مع أزمة اللاجئين، خرجت اقتراحات جديدة، تحاول معالجة القضية من منظور مختلف. وينطلق النهج الجديد في صياغته لأهدافه من فكرة معالجة أسباب النزوح من أجل التحكم في سيل المهاجرين، وذلك عن طريق ربط سياسة اللجوء بسياسة المساعدات التنموية. وقد تم تنفيذ مشاريع أولية على غرار هذا النهج، حيث يتم تقييم النتائج في الوقت الحالي. وفي إطار هذه المشاريع تم الاتفاق مع جزر كاب فيردى وجورجيا ومولدافيا على أن تتصدى حكومات هذه الدول لمحاولات تزوير تأشيرات الدخول والهجرة غير الشرعية، على أن تحصل في المقابل على مساعدات مادية وتنموية من الاتحاد الأوروبي. ومن المقرر أن يعقد الاتحاد الأوربي شراكات مماثلة مع أرمينيا وغانا، وهناك مفاوضات مع مصر وتونس والمغرب.

لكن هذه المشاريع الرائدة وضعت نصب عينيها هدف الحد من الهجرة فقط مع إهمال الجانب الآخر من مفهوم الشراكة، فالإتحاد الأوروبي لم يقدم للدول الشريكة أي امتيازات حتى الآن، إذ لم يكن هناك تسهيل لإجراءات السفر ولم تفتح أسواق العمل لأعداد محددة من مواطني هذه الدول، وذلك كما يؤكد شتيفان أجنينيت، الخبير في شئون الهجرة: ” هدف هذه الشراكات هو ربط أهداف كل من سياسة الهجرة وسياسية المساعدات التنموية ببعضهما البعض، لكن الشراكات القائمة ما تزال بعيدة كل البعد عن هذه الرؤية، حسب اعتقادي”

ومع تأكيد الخبراء على أن هذه النوعية من المشاريع غير قادرة على تقديم حلول سريعة لأزمة اللاجئين، التي تتفاقم يوما بعد يوم، يتضح أن إجراء إصلاحات على قانون اللجوء هو الحل الأمثل في الظروف الراهنة. وذلك حتى لا تتكرر مأساة اللاجئين في المخيمات على الحدود اليونانية التركية، كما يقول روديغر فيت.

المصدر : DW

Advertisements